عبد القادر الجيلاني
48
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
فحركات الوجد نوعان : اختياريّة واضطراريّة . فالأولى الحركات الاختياريّة : كحركة الإنسان الصّحيح ليس في جسده ألم ولا مرض ولا سقم ، فهذه الحركات غير مشروعة كما مرّ . والثّانيّة الحركات الاضطراريّة : وهي الّتي تحصل بسبب آخر مثل قوّة الرّوح ، فلا تقدر النّفس على منعه ؛ لأنّ هذه الحركات غالبة على حركة الجسمانيّة مثل حركة الحمّى ، فإذا غلبت الحمّى عجزت النّفس عن تحمّلها ، فلا اختيار لها حينئذ . فالوجد إذا غلبت عليه الحركات الرّوحانيّة يكون حقيقيّا ورحمانيّا . والوجد والسّماع آلة محركة كما في قلوب العشّاق والعارفين . والوجد طعام المحبّين ، ومقوي الطّالبين . وقيل : « إنّ السّماع لقوم فرض ولقوم سنّة ولقوم بدعة » الفرض للخواصّ ، والسّنّة للمحبّين ، والبدعة للغافلين ، ولذلك كانت الطّيور تقف على رأس داود عليه الصّلاة والسّلام لاستماع صوته . وحركة الوجد على عشرة أوجه : بعضها جليّ يظهر أثرها في الحركات . وبعضها خفيّ ، يظهر أثرها في الجسد كميل القلب إلى ذكر اللّه تعالى ، وقراءة القرآن بالصّوت الحسن ، ومنها بالبكاء والتألّم ، والخوف والحزن ، والتأسّف والحيرة عند ذكر اللّه تعالى ، والتّجرّد والنّصرة ، والتّغيّر في الباطن والظّاهر ، ومنها الطّلب والشّوق ، والحرارة . الفصل العشرون في بيان الخلوة والعزلة فالخلوة والعزلة على وجهين : ظاهر ، وباطن . فالخلوة الظّاهرة : عزل نفسه ، وحبس بدنه عن النّاس لئلّا يؤذي النّاس بأخلاقه الذّميمة وبترك النّفس مألوفاتها ، وحبس حواسها الظّاهرة لفتح الخواصّ الباطنة ، بنيّة الإخلاص والموت بالإرادة ودخول القبر ، ويكون نيّته في ذلك رضاء اللّه تعالى ، ودفع شرّ نفسه عن المسلمين كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده » « 1 » وكفّ لسانه عما لا يعنيه كما قال رسول اللّه صلّى
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 13 ) ، ( 5 / 2379 ) ، ومسلم ( 1 / 65 ) .